3 العلمانية و المسيحية – العلمانية والدين

في المبدأ، ومن الأساس ميز المسيح بين الإيمان المسيحي والكنيسة من جهة، وبين القوانين و السلطة السياسية والممارسة السياسية من جهة اخرى …

ففي انجيل يوحنا 18/36 يفصل المسيح كليا بين السلطة السياسية والسلطة الدينية: “ليست مملكتي من هذا العالم , ولو كانت من هذا العالم لدافع عني حراسي…”.

ولما أراد تلاميذه الدفاع عنه رفض ” فقالوا يا رب ههنا سيفان , فقال لهم :كفى “(لوقا 22/38).

كما ان المسيح في حياته العلنية فصل تماما بين الواجبات الدينية والواجبات الدنيوية ورفض الخلط بينها: ” أدوا إذا لقيصر ما لقيصر , ولله ما لله” (لوقا 20/25)

لكن عبر التاريخ كان هناك تدخلا للسلطة الكنسية بالسياسة , ورجال الدين المسيحيين , من خلال سلطتهم الروحية مارسوا سلطة سياسية , أدى هذا التدخل في النهاية إلى نفور بين السلطتين , فاستغلال السلطة الدينية (من قبل أفراد في الكنيسة وليس كعقيدة مسيحية) لفرض أمور سياسية , أدى في النهاية الى ثورات ، ونشوء تيارات تطالب بفصل الشؤون الدينية عن السياسية, أي ما عرف بالعلمانية.

و تبلورت بعدها مع الثورات وخاصة الفرنسية , التي أعادت الكنيسة إلى أساس عقيدتها و إلى ما قبل المزج بين الدين والدولة.. فانصرفت الكنيسة إلى الاهتمام بالشأن الروحي والديني وعدم التعاطي بما له شأن سياسي , وصولا إلى المجمع الفاتيكاني الثاني الذي حدد دور وخطوط وأهداف الكنيسة العريضة , وصولا إلى الشؤون الاجتماعية ودور العلماني في الكنيسة دون المزج بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.

أما العلاقة اليوم بين الكنيسة والدولة (في غالبية البلدان المتقدمة) هي علاقة قائمة على مبدأ الحرية , والمساواة, والاحترام.

– الحرية:
الكنيسة تعترف وتطالب بحرية الفرد وحرية التعبير وكذلك الدولة الليبرالية الحرة. كما أن الكنيسة تطالب بالحريات العامة, و بالتالي أن تكون الحرية الدينية من الحقوق المدنية والحريات العامة وحق التبشير .
كذلك الدولة الليبرالية تكفل وتعترف بالحرية الدينية للأفراد وتضمن حياة المواطنين الدينية, وتطالب بعدم تدخل الدين بالدولة .
(هذا لا يمنع بأن تختلف وجهات النظر بين الدولة والكنيسة على بعض الأمور الزمنية الحديثة , كالاستنساخ , وعلاقة المثليين , والإجهاض وغيرها …
ولكن من المؤكد بأن الكنيسة ستسجل موقفها وتعترض بالطريق السلمية , ضمن حقها بالتعبير, وكذلك الدولة الليبرالية لن تعلن حربها على الكنيسة في حال عارضت بعض تشريعاتها).

–  المساواة:
هذا كان مبدأ الكنيسة الأساسي ,وهذا أساس تعليمها , فلا يمكن التمييز بحسب اللون أو الدين أو الشكل أو الجنس … لأننا كلنا على صورة الله ومثاله , وهكذا أيضا فكر الدولة الليبرالية المستمد من المسيحية, التي ترفض التمييز بين الإنسان مهما اختلف بالدين واللون والجنس… .

–  الاحترام:
الكنيسة تحترم الحريات الدينية وحق الانتماء الديني وكذلك الدولة الليبرالية هي أيضا تعترف بكل المعتقدات الدينية وتتعامل معها على قدم المساواة.
والكنيسة تحترم علاقة الفرد بالدولة على أساس مواطن، والدولة تحترم علاقة الفرد بالكنيسة على أساس مؤمن.

إذا كما رأينا المسيحية والعلمانية يمكنهما ان يتكاملان , لان لكل منهما هدفه وطريقته وشخصيته الخاصة.
في الواقع نجحت كثير من الدول ذات الأكثرية المسيحية في تطبيق العلمانية وفي الفصل بين الدين والدولة ,وقد وصلت إلى حد احترام الأديان والمحافظة على حقوق الفرد في الانتماء والحياة.

 ROGER CORTBAWI   روجيه قرطباوي